صديق الحسيني القنوجي البخاري

408

فتح البيان في مقاصد القرآن

جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار ، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار ، قال الجوهري : الجلباب الملحفة ، وقال الشهاب إزار واسع يلتحف به ، وقيل : القناع وقيل : هو كل ثوب يستر جميع بدن المرأة من كساء وغيره كما ثبت في الصحيح من حديث أم عطية أنها قالت يا رسول اللّه إحدانا لا يكون لها جلباب ؟ فقال : « لتلبسها أختها من جلبابها » « 1 » قال الواحدي قال المفسرون : يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا عينا واحدة فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى ، وبه قال ابن عباس ، وقال الحسن : تغطي نصف وجهها ، وقال قتادة : تلويه فوق الجبين وتشده ، ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه ، وقال المبرد : يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن ، و ( من ) للتبعيض أي ترخي بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز عن الأمة . ذلِكَ أي إدناء الجلابيب وهو مبتدأ وخبره أَدْنى أقرب أَنْ يُعْرَفْنَ فيتميزن عن الإماء ويظهر للناس أنهن حرائر فَلا يُؤْذَيْنَ من جهة أهل الريبة بالتعرض لهن مراقبة لهن ولأهلهن ، وليس المراد بقوله ذلك الخ أن تعرف الواحدة منهن من هي ، بل المراد أن يعرفن أنهن حرائر لا إماء لأنهن لبسن لبسة تختص بالحرائر . قال السبكي : في الطبقات الكبرى إن من أئمة الشافعية أحمد بن عيسى شارح التنبيه استنبط من هذه الآية أن ما يفعله علماء هذا الزمان في ملابسهم من سعة الأكمام والعمة ولبس الطيلسان حسن ، وإن لم يفعله السلف ، لأن فيه تمييزا لهم ، وبذلك يعرفون فيلتفت إلى فتاواهم وأقوالهم انتهى . ومنه يعلم أن تمييز الأشراف بعلامة أمر مشروع أيضا انتهى . أقول ما أبرد هذا الاستنباط وما أقل نفعه ، لا سيما بعد ما ورد في السنة المطهرة من النهي عن الإسراف في اللباس وإطالته ، وقد منع عن ذلك سلف الأمة وأئمتها فأين هذا من ذاك ؟ وإنما هو بدعة أحدثها علماء السوء ومشايخ الدنيا ولذا قال علي القاري في معرض الذم : « لهم عمائم كالأبراج ، وكمائم كالأخراج » وأنكر عليهم ذلك أشد الإنكار ، وما ذكره من أن زي العلماء والأشراف سنة رده ابن الحاج في المدخل بأنه مخالف لزيهم في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وزمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من خير القرون ، فإن قيل إنهم به يعرفون ، قيل إنهم لو بقوا على الزي الأول عرفوا به أيضا لمخالفته لما عليه غيرهم الآن وأطال في إنكار ما قالوه ، وقد بسطنا القول على ذلك في حجج الكرامة بالفارسية أيضا فراجعه .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الحيض باب 23 ، والصلاة باب 2 ، والعيدين باب 20 ، والحج باب 81 ، ومسلم في العيدين حديث 12 ، والترمذي في الجمعة باب 36 ، وابن ماجة في الإقامة باب 165 ، والدارمي في الصلاة باب 223 ، وأحمد في المسند 5 / 84 .